علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
183
ثمرات الأوراق
قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فاستحسنت ذلك من الإمام مالك رضي اللّه عنه ، وسألته عن شرحه ، فقال : إنه يدعو الناس إلى كرمه فحكمه أن يبتدئ بالغسل ، وفي آخر الطعام ينتظر من يدخل فيأكل معه . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فكشف الإمام رضي اللّه عنه الطّبق ، فكان فيه صحفتان ، في إحداهما لبن ، والأخرى تمر ، فسمّى اللّه تعالى وسمّيت ، فأتيت أنا ومالك على جميع الطعام ، وعلم مالك أنّا لم نأخذ من الطعام الكفاية ، فقال لي : يا أبا عبد اللّه ، هذا جهد من مقلّ إلى فقير معدم ، فقلت لا عذر على من أحسن ، إنما العذر على من أساء . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فأقبل مالك يسألني عن أهل مكة حتى دنت العشاء الآخرة ، ثم قام عنّي وقال : حكم المسافر أن يقلّ تعبه بالاضطجاع . فنمت ليلتي ؛ فلمّا كان في الثّلث الأخير من الليل قرع عليّ مالك الباب ، فقال لي : الصلاة يرحمك اللّه ! فرأيته حامل إناء فيه ماء ، فتبشّع عليّ ذلك فقال لي : لا يرعك ما رأيته ، فخدمة الضّيف فرض . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فتجهّزت للصلاة ، وصلّيت الفجر مع الإمام مالك في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والنّاس لا يعرف بعضهم بعضا من شدّة الغلس ، وجلس كلّ واحد منّا في مصلّاه يسبّح اللّه تعالى إلى أن طلعت الشمس على رؤوس الجبال ، فجلس مالك في مجلسه بالأمس ، وناولني الموطّأ أمليه وأقرؤه على الناس ، وهم يكتبونه . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فأتيت على حفظه من أوّله إلى آخره ، وأقمت ضيف مالك ثمانية أشهر ، فما علم أحد من الأنس الذي كان بيننا أيّنا الضّيف . ثمّ قدم على مالك المصريّون بعد قضاء حجّهم للزّيارة ، واستماع الموطأ . قال الشافعيّ : فأمليت عليهم حفظا ؛ منهم عبد اللّه بن عبد الحكم ، وأشهب وابن القاسم - قال الرّبيع : وأحسب أنه ذكر اللّيث بن سعد - ثم قدم بعد ذلك أهل العراق لزيارة النّبي صلى اللّه عليه وسلم . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فرأيت بين القبر والمنبر فتى جميل الوجه ، نظيف الثّوب حسن الصّلاة ، فتوسّمت فيه خيرا فسألته عن اسمه ، فأخبرني ، وسألته عن بلده ، فقال : العراق . فقلت : أيّ العراق ؟ فقال لي : الكوفة . فقلت : من العالم بها ؟ والمتكلّم في نصّ الكتاب ، والمفتي بأخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ فقال لي : أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة رضي اللّه عنه . قال الشّافعيّ رضي اللّه عنه : فقلت : ومتى عزمتم تظعنون ؟ فقال لي : في غداة